الشيخ محمد هادي معرفة
282
تلخيص التمهيد
أمّا قضية حصر القراءات في السبع المشهورة فهو أيضاً من صنع ابن مجاهد ، ويعود أكثر لومه عليه . قال الدكتور صبحي الصالح : ويقع أكبر قسط من اللوم في هذا الإيهام - إيهام انحصار القراءات في السبع - على عاتق الإمام الكبير أبي بكر أحمد بن موسى بن العبّاس المشهور ب « ابن مجاهد » الَّذي قام على رأس الثلاثمائة للهجرة في بغداد بجمع سبع قراءات لسبعة من أئمَّة الحرمين والعراقين والشام ، واشتهروا بالثقة والأمانة والضبط وملازمة القراءة ، وجاء جمعه لها محض مصادفة واتِّفاق ، إذ كان في أئمَّة القرّاء من هم أجلّ منهم قدراً ، وكان عددهم لا يستهان به « 1 » . هذا ، وعبارة « القراءات السبع » لم تكن معروفة في الأمصار الإسلامية حين بدأ العلماء يؤلِّفون في القراءات ، كأبي عبيد القاسم بن سلام ، وأبي جعفر الطبري ، وأبي حاتم السجستاني ، وغيرهم ، فقد ذكروا في مؤلَّفاتهم أضعاف تلك القراءات ، وإنَّما بدأت هذه العبارة تشتهر على رأس المائة الرابعة ، من لدن « ابن مجاهد » ولم يكن متَّسع الرواية والرحلة « 2 » . وتوهَّم الكثير من عوام الناس وغوغائهم أنَّها هي المرادة من الأحرف السبعة الَّتي جاءت في الحديث النبوي . ومن ثمَّ هبَّ الأئمَّة النقّاد في توجيه ملامتهم الحادَّة إلى موقف ابن مجاهد هذا الموهم ، الأمر الَّذي حطَّ من كرامة أئمَّة آخرين هم أكبر شأناً وأعظم قدراً من هؤلاء السبعة . استنكارات لموقف ابن مجاهد هذا الإمام - المقرئ المفسِّر - أبو العبّاس أحمد بن عمّار المهدوي يلوم ابن مجاهد في عبارة قاسية جدّاً ، يقول : لقد فعل مسبِّع هذه السبعة مالا ينبغي له ، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كلّ من قلّ نظره أنّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة . ووقع له أيضاً في اقتصاره عن كلِّ إمام على راويين أنَّه صار من سمع قراءة راوٍ ثالث غيرهما أبطلها ، وقد تكون هي أشهر وأصحّ وأظهر ، وربّما بالغ من لا
--> ( 1 ) مباحث في علوم القرآن : ص 247 - 248 . ( 2 ) راجع البرهان للزركشي : ج 1 ص 327 .